المجلس الرئاسي ما أهدافه وفرص نجاحه في اليمن ؟

يمن دايز

أبدى البعض من اليمنيين بعض التفاؤل بعد تشكيل مجلس القيادة الرئاسي في 7 نيسان أبريل الجاري وتسلمه صلاحيات الرئيس السابق عبد ربه منصور هادي ، ولكنني لست من المتفائلين بهذا المجلس الذي يجسد في الحقيقة التقاسم السعودي الإماراتي للنفوذ في المناطق الجنوبية والشرقية وما هذه الشخصيات إلا أدوات لها .

رئيس مجلس القيادة رشاد العليمي معروف بولائه الشديد للسعودية ، أما عيدروس الزبيدي رئيس المجلس الانتقالي فالجميع يعلم بأنه رجل الإمارات في عدن وكذلك العميد طارق محمد عبد الله صالح وأبو زرعة المحرمي ، أما محافظ حضرموت فرج البحسني فهو من يجمع بين الولاء للسعودية والولاء للإمارات في الوقت نفسه ، أما بقية أعضاء المجلس فهم من المحسوبين على السعودية ، وفي النهاية لا توجد شخصية مستقلة بقرارها وقادرة على تحقيق تطلعات الشعب اليمني في ظل هذا المشهد المعقد وتستطيع ورفض أي إملاءات من قبل السعودية والإمارات ، حتى محافظ مارب اللواء سلطان العرادة محسوب على السعودية ولا يستطيع رفض أي قرار لها ..

فما هو الهدف الحقيقي من تشكيل هذا المجلس ؟

وهل سيحقق ولو الحد الأدنى من مطالب اليمنيين ؟

وما هي السيناريوهات المتوقعة خلال الفترة القادمة في اليمن ؟

تساؤلات سنحاول الإجابة عنها في هذا التحليل ..

بإجماع كافة المراقبين يعتبر هادي أسوأ رئيس تولى رئاسة اليمن في هذا العصر فقد كان بعد انتخابه رئيسا في 21 شباط فبراير 2012م الرئيس اليمني المنتخب الذي نال الإجماع المحلي والإقليمي والدولي ، وتحت يديه الجيش والمال والإعلام والقبائل والأحزاب وجاء مجلس الأمن وانعقد في صنعاء حين كان رئيسها فماذا فعل هادي باليمن ؟!

تآمر هادي على كل الرجال الأحرار ، ودمر كافة مؤسسات الدولة وكانت البداية بالجيش والأمن ، خذل رجاله الشرفاء وسلم مقاليد البلد للسفراء الأجانب والمبعوث الأممي حينها جمال بنعمر لينفذوا المخطط الأمريكي التخريبي في اليمن والذي ما زلنا نعيش فصوله الأخيرة وساعدهم هو بدوره السلبي المخرب فكان الغطاء والمظلة التي شرعنت تحركاتهم .

صحيح كان للآخرين دورا فيما حدث ولكن لو أن هادي رجل وطني وعمل حينها بإخلاص وضمير وبحس وطني وبنية صادقة لإنقاذ اليمن لأمكنه ذلك ، كان يكفي منه أن يتحرك ويتخذ موقف وطني وسيقف معه جميع الشرفاء والأحرار وكانت كلمة منه كفيلة بإحداث تغيير إيجابي وإيقاف العبث ولكن ما حدث هو العكس تماما كان هادي هو المظلة والغطاء لكل تحركات التخريب والتدمير الممنهج في اليمن منذ تولى الرئاسة إلى اليوم .

صار هادي الآن من الماضي ولكن هل سيصلح مجلس القيادة الرئاسي ما أفسده هادي ؟

الجواب : لا لأن هذا المجلس الذي ولد بعد مشاورات صورية في الرياض هو في الحقيقة تقاسم سعودي إماراتي للسلطة والنفوذ في اليمن خلال المرحلة القادمة ليحقق عدة أهداف سنذكرها ..


* أهداف تشكيل مجلس القيادة الرئاسي : 

1 ـ الهدف الأبرز من هذا المجلس هو تكريس الانفصال في الجنوب وشرعنته بقرارات من قبل هذا المجلس تتم تحت ضغط الانتقالي فرئيس المجلس رشاد العليمي وبقية الأعضاء هم بمثابة أسرى أو رهائن في قبضة الانتقالي الذي يسيطر عسكريا على مدينة عدن بقواته التي رفضت الإمارات والسعودية دمجها في قوات الجيش اليمني وما تزال إلى اليوم غير خاضعة لوزارة الدفاع اليمنية وتدار من قبل الضباط الإماراتيين.

وما يؤكد ما ذهبنا إليه رفض نائب ريس المجلس عيدروس الزبيدي أن يؤدي اليمين الدستورية التي تنص على الحفاظ على الوحدة والجمهورية ، وهو ما يؤكد تمسك الرجل ومن خلفه السعودية والإمارات بمشروع الانفصال في الجنوب ، كما تبع تلك الخطوة صدور قرار من مجلس القيادة الرئاسي بتعيين محافظ عدن القيادي في الانتقالي أحمد حامد لملس وزير دولة في حكومة معين عبد الملك ، وتعيين القيادي في الانتقالي محمد الغيثي رئيسا لهيئة التشاور والمصالحة وهو شاب غير معروف في الوسط السياسي ، ولا خبرة له ولكنه قيادي في الانتقالي الذي سيفرض على هذا المجلس الرهينة لديه كل ما يريد وبقوة السلاح أيضا .!

ما يحدث هي مرحلة جديدة من شرعنة الانفصال عبر هذا المجلس مثلما كان ما سمي بـ " اتفاق الرياض " مجرد مسرحية الغرض منها شرعنة الانتقالي وقيادته وتسويقه ممثلا وحيدا للقضية الجنوبية فجنى الانتقالي لوحده ثمار هذا الاتفاق فمنذ تم التوقيع على "اتفاق الرياض" في 5 نوفمبر تشرين الثاني 2019م بين الحكومة والانتقالي إلى هذه اللحظة لم ينفذ الانتقالي بندا واحدا مما وقع عليه بينما نفذت الحكومة كل ما يخصها من بنود والتزامات ،

لقد ظلت بعض الشخصيات السياسية تطالب بتنفيذ الشق الأمني والعسكري من " اتفاق الرياض " حتى يئسوا وأسكتوا من قبل قيادة السعودية والإمارات التي لم تقم حتى بتأنيب الانتقالي لتنصله عن التزامه ورفضه تنفيذ ما وقع عليه .!

وحتى اللحظة لم ينفذ الانتقالي بندا واحدا لا من ذلك الاتفاق ولا أي بند من الشق الأمني والعسكري ومع هذا فلم يعد أحد اليوم يطالب الانتقالي بأن ينفذ أيا من التزاماته التي وقع عليها وصار أقصى حلمهم هو أن يتركهم الانتقالي يبقون في عدن وان لا يطردهم منها كما فعل مرارا .!

 2 ـ الهدف الثاني من أهداف تعيين السعودية والإمارات لمجلس القيادة الرئاسي هو : تكريس الوضع في الشمال على ما هو عليه الآن فالسعودية والإمارات برأي الكثير من المتابعين هي من دعمت جماعة الحوثي منذ البداية وأمدتها بكل أنواع الدعم ظاهرا وباطنا وأوصلتها إلى كافة المناطق التي سيطرت عليها بقوة السلاح وظلت طيلة السنوات الماضية تحافظ عليها وتتجنب اتخاذ أي خطوات عملية يمكن أن تؤدي إلى إضعافها ، وبالمقابل عملت السعودية والإمارات على تصفية واستنزاف وإحراق كل القوى اليمنية التي كانت تشكل عائقا أمام المشروع الحوثي ، ولذا فإن السعودية والإمارات برأي الكثير من المراقبين حريصة جدا على بقاء الحوثيين يسيطرون على كافة مناطق الشمال دون منازع من أحد وقد أعطتهم المهلة تلو المهلة للسيطرة على مدينة مارب ولكنهم فشلوا لما وجدوا من مقاومة صلبة من الجيش الوطني وقبائل مارب ، ولذا فإن مجلس القيادة الرئاسي سيقوم وبتوجيهات من السعودية والإمارات بتقديم كافة التنازلات التي ستشرعن للحوثيين كدولة في الشمال وتجلب لهم الاعتراف الدولي والإقليمي ، كما سيقدم لهم كل أوجه الدعم والرعاية المطلوبة دون أن يتنازلوا عن شبر واحد من الأراضي التي يسيطرون عليها ناهيك عن أن يقدموا أي تنازل عن السلطة التي يقبضون عليها بقبضة حديدية قوية ويرفضون إشراك أي تيار غيرهم فيها ولو بشكل ديكوري ، وهذا الدعم من قبل السعودية والإمارات ليس حبا في الحوثيين وإنما لأن بقاء الحوثيين في الشمال هو الذريعة الكبرى للهيمنة السعودية الإماراتية على بقية مناطق اليمن والخلاصة : الاحتلال السعودي الإماراتي لجنوب وشرق اليمن يخدم الحوثي ويقوي موقفه وخطابه والسيطرة الحوثية على شمال اليمن تخدم الاحتلال السعودي والإماراتي وتقوي نفوذه وسلطته وهكذا .

الهدف الثالث من تعيين السعودية والإمارات لمجلس القيادي الرئاسي : الرغبة السعودية بإيجاد قيادة جديدة من المحسوبين عليها بعد أن أحرقت القيادة السابقة وجمدتها في فنادق الرياض لسنوات ، هذه القيادة الجديدة ستعمل على حماية نفوذ الدولتين في اليمن وتكريس هيمنتهما على المشهد اليمني من خلال هذا المجلس فالسعودية والإمارات ما تزالان تسيطران على كافة المناطق في الجنوب وتتحكمان في كل صغيرة وكبيرة حتى المجلس الرئاسي يعيش أعضاءه في قصر المعاشيق الرئاسي بعدن تحت حماية قوات سعودية .!

 كما ترفض الإمارات حتى اللحظة إجلاء جنودها من منشأة بلحاف الغازية في شبوة وهي المنشأة الاقتصادية الأكبر في المين والتي كانت ستوظف لو تم تشغيلها ما يقارب عشرة ألف عامل وتدر قرابة 4 مليار دولار لخزينة الدولة ، وحين طالب محافظ شبوة السابق محمد بن عديو بإخراج قوات الإمارات منها لتقوم السلطة الملحية بتشغيلها قامت الإمارات بإقالته عبر قرار من هادي ، وما تزال القوات السعودية والإماراتية تسيطر على كل الجزر اليمنية من جزيرة سقطرى في المحيط الهادي إلى جزيرة بريم " ميون " في باب المندب إضافة إلى الموانئ والمطارات وتمنع تشغيلهما ، بل لقد قامت القوات الإماراتية منذ سنوات بتحويل مطار الريان بالمكلا بحضرموت إلى سجن وقامت بسجن المئات من أبناء حضرموت وسحلهم وتعذيبهم فيه ، كما قامت القوات الإمارات بتعذيب المئات من أبناء عدن في الجون بعدن وقامت باغتصاب بعضهم بشهادة منظمات حقوقية دولية كما قامت بإدارة مخططات لاغتيال المئات من الدعاة والعلماء وخطباء الجوامع والشخصيات الوطنية في عدن ولحج.!

الهدف الرابع من تعيين السعودية والإمارات للمجلس الرئاسي : الإيحاء لدول العالم أن السعودية والإمارات قد قامتا بترتيب الأوضاع في اليمن وعبر قيادة جديدة من اليمنيين ستقوم بإحلال السلام وإعادة الإعمار والنهوض باليمن وتنميته وهذا التسويق هو أكذوبة القرن فاليمن لا يمكن أن ينهض أو يستقر وينعم بالسلام والأمن والاستقرار طالما أن السعودية والإمارات هي من تتحكم بكل تفاصيل المشهد اليمني وتهيمن على كل مقاليد السلطة فيه وفي مختلف المجالات وما هذه الشخصيات إلا أدوات لتنفيذ أجندة السعودية والإمارات في اليمن فهذه الشخصيات تفتقر لاستقلال القرار وليس لها شعبية حقيقية في اليمن .

لو كانت السعودية والإمارات تريدان الخير والسلام لليمن لمنعت انزلاقه إلى الحرب العبثية المدمرة والتي تعصف به منذ سبع سنوات عجاف طحنت الحجر والشجر والبشر وأكلت الأخضر واليابس وقامت طائراتها بقصف مختلف القوات اليمنية ومنازل المواطنين والدارس والمستشفيات والأسواق والجسور والمنشآت المدنية ولكن السعودية والإمارات هما من صنعت هذه الأحداث وخططت ونسقت وصولا إلى الحرب وما تلاها من أحداث إلى اليوم وذلك عبر أدواتها المحلية بداية بهادي الفاشل الضعيف المتآمر وبالتنسيق مع سفراء الدول الكبرى والمبعوث الأممي وصولا إلى النخبة السياسية المخترقة من قبل المخابرات السعودية والتي تستلم مخصصاتها من قبل اللجنة السعودية الخاصة ، وهذه النخبة لا يمكن أن نعول عليها في انقاذ بالوطن ناهيك عن النهوض به وتنميته ، فإذا كان رئيس الحكومة معين عبد الملك يعمل كسكرتير مع السفير السعودي في اليمن محمد آل جابر فما بلك بغيره من المسؤولين الذين ينظرون للسفير السعودي على أنه الكل بالكل والذي يتصرف كرئيس فعلي لليمن ويقابل السفراء الأجانب لدى اليمن ويعين الوزراء والمسؤولين ويقيل من يشاء ويبقي من يشاء .!

* فرص نجاح مجلس القيادة الرئاسي : 

لن ينجح هذا المجلس الرئاسي لا بإحداث سلام في اليمن ولا بالنهوض بواقعه فهو لا يمتلك قراره ولا نتوقع منه أن يتمرد على التوجيهات السعودية الإماراتية ، إضافة إلى أن مدينة عدن ما تزال تدار من قبل قوات مسلحة تابعة للإمارات هي أقرب إلى المليشيات منها إلى قوات نظامية ، فعدن ليست مؤهلة لتكون عاصمة لكل اليمنيين ، ولو أن قيادات هذا المجلس اشترطت على السعودية والإمارات تطبيق الشق العسكري والأمني من اتفاق الرياض الذي رعته سابقا والذي نص على إدماج المليشيات التابعة للإمارات بعدن في قوات الجيش والأمن لتسهلت مهام هذا المجلس ولكنه لا يمتلك قراره ولا يستطيع فرض هذا الأمر إذ لا يعدو أعضاءه كونهم مجرد أدوات للدولتين .  

قد ينجح هذا المجلس الرئاسي في إحداث بعض الانفراج في الجانب المعيشي للمواطنين عبر صرف الرواتب وتثبيت سعر العملة ودعم البنك المركزي وتحسين المستوى الاقتصادي بالتنسيق مع سلطات صنعاء ، وحتى هذه الإجراءات مشكوك في قدرته عليها إذ كون أهدافه ليس إحداث انفراجة في الواقع اليمني المتأزم بقدر ما هي شرعنة الانفصال بقرارات وسياسات تؤدي إلى تكريس سلطة الانتقالي في الجنوب وصولا إلى إعلان الانفصال عما قريب وتكريس سلطة الحوثي في الشمال وشرعنتها والاعتراف بها إقليميا ودوليا لتظل السعودية والإمارات تدير المشهد اليمني عبر الانتقالي والحوثي وبعلاقاتها وضغوطاتها وأموالها داخليا وإقليميا ودوليا ، أما هذه الأدوات وخصوصا من أبناء الشمال فسينتهي بهم المطاف في بعض العواصم العربية والأوربية بعد طردهم من عدن ، وسيظل هذا الحال إلى أن يتبلور تيار يمني وطني يرفض الاحتلال والوصاية ويعمل على إنهاء النفوذ السعودي والإماراتي وأدواتهم والمليشيات التابعة لهم في عموم اليمن وهو ما قد يكون على المدى البعيد وفوق كل ذي علم عليم .

مقالات الكاتب