خارج الطقس .. عن إشكاليات اللغة في عالمٍ متداخل ..!

يمن دايز

بحكم متطلبات المصالح واحتياجات التعايش تتماهى الأمم اليوم ثقافياً في ما يشبه عائلة واحدة في كثيرٍ من بلدان العالم النامي أو الأكثر نمواً ناهيك عن المتقدم أو الذي أصبح قرية صغيرة بسبب الانترنت وتطور تكنولوجيا إنتاج المعرفة .. مثلاً ، إلى جانب اللغة الأم ، نجد أن الأب قد يتحدث الانجليزية ، والأم ربما تتكلم بعض الفرنسية ، ولعَلَّ الأبناء والبنات كلٌ منهم يمكنه التحدث بلغات أخرى ، حيث يتحدد هذا بمنهجية في ثالث أو رابع سنوات الدراسة الإبتدائية .

قبل عشرين عاماً كنت أجد صعوبة في استجابة غالبية الأوروبيين وخصوصاً الفرنسيين والألمان والإسبان لسؤالي عن عنوانٍ ما ، أو عن وجبة طعام وغير ذلك ، بل إن بعضهم كان يفهم السؤال ثم يخرج ورقة وقلماً من جيبه ، ويكتب السؤال والجواب بلغة بلده ، ثم يقوم بتعليمي كيفية نطقهما ، ذلك كان في أفضل الأحوال ، لكن الغالب كان هو تجاهل مساعدتي.

في السنوات الأخيرة لفت انتباهي أن الأجيال الجديدة في معظم دول أوروبا ذات النزعات القومية المتصاعدة أصبحت برغم ذلك تستخدم الانجليزية والفرنسية والإسبانية -على الأقل - بإتقان ، بل إن بائعة في السويد قالت لي إن نصف الصفحات في المناهج الدراسية هناك أصبح مكتوباً بالإنجليزية إلى جانب النصف الآخر السويدي.

ثمة دول أخرى كهولندا لا تحتاج أن تسأل أحداً إن كان يعرف الإنجليزية ، ما عليك سوى أن تسأله مباشرة بالانجليزية ، وستجده فوق هذا يسعد بأنه وجد من يتحدث معه بها ، والبعض قد يبادر بمرافقتك إلى العنوان الذي تريد كلما كان ذلك ممكناً.

اللافت في هذا أن الإيطالي يتحدث إليك بإنجليزية تامة عندما تتحدث إليه بها ، أو يعتذر عندما لا يجيدها.

لكنني لم أجد في هذا المجال فوضى في اللغة كما يحدث في العالم العربي حيث يكثر الخلط في الخليج بين العربية والانجليزية والهندية والأوردية والفارسية وغيرها بحكم تزايد العِمالة الوافدة من جنوب آسيا ومناطق أخرى ، وفي الجزائر والمغرب وتونس بين العربية والفرنسية والأمازيغية ، حيث يتعين عليك أن تعرف وليس بالضرورة أن تجيد أهم الكلمات أو العبارات في هذه اللغات ، كما أن مصر ولبنان والسودان ليست إستثناءً في الحد الأدنى من ذلك ، إذ يعتقد البعض أنه كلما أمكنه اللفظ ببعض الكلمات أو العبارات المستدعاة من لغة أخرى يعزز من مكانته العلمية أو الاجتماعية!

كعربيٍ معتزٍ بثقافته لا استسيغ التحدث مع عربي مثلي سوى بالعربية ، بل استمتع باستخدامها مع من يجيدها من غير العرب.

ولا يعجبني اصرار بعض العرب على حشو أحاديثهم العربية بكلمات أو اصطلاحات غير ضرورية من اللغات الأجنبية ، بل أستاء كثيراً من العربي في المهجر الذي (يتظاهر) بالأسف بأن أيٍ من أبناءه أو بناته لا يستطيع التحدث بلغة بلده الأم!

أفضل نصيحة للدول والحكومات والمجتمعات الطامحة في حجز مقعدها على القطار الذاهب إلى المستقبل هي الاعتناء (ما أمكن) بتعليم أطفالها في السنوات الأولى من أعمارهم لغتهم الأم ومعها لغة مختلفة لكل طفل في الأسرة ، مع الأخذ بعين الاعتبار أساليب المناهج التعليمية الحديثة في هذا المضمار.

قد يقول البعض إن هذا ترفٌ من القول لكنني أقول إن تَعَلَّم اللغات الأخرى لم يعد ترفاً بل ضرورة ، فالانجليزية على سبيل المثال لا مفر من تعلمها لأي طالب عِلم في مجالات الطب والطيران والعلوم التطبيقية حيث يُنتج اليوم أغلب المعلومات في الغرب الأمريكي والأوروبي بهذه اللغة ، كما أن الفرنسية هي اللغة الأكثر دِقةً في صياغة القوانين ، وفي ترجمة العلوم الإنسانية بما فيها الآداب والفنون ، ذلك مثلما لكل لغةِ حيةٍ أخرى قديمةٍ أو متجددة ما يميز دورها في تطور التجربة الإنسانية كالرومانية والإغريقية واللاتينية وسواها.

الموضوع عميق وشائقٌ ومهم ، لا احب الإطالة ، ولكن للحديث بقية!

مقالات الكاتب