الهدنة في اليمن مكافأة للمتحاربين

يمن دايز

تدفع السياسة الدولية الحرب في اليمن، ومن ثم الأزمة اليمنية، نحو مسارات جديدة، تفضي إلى مزيد من التعقيد، من خلال تسويق مرحلة انتقالية تفضي إلى إنتاج صيغة سياسية وفق إرادة المتدخلين ووكلائهم المحليين، مقابل شرعنتها الواقع العسكري والسياسي الذي أنتجته الحرب، إذ تراهن القوى الدولية والأمم المتحدة على تحويل الهدنة الإنسانية التي جرى تجديدها إلى وقف دائم لإطلاق النار، بحيث تفضي إلى تسوية بين فرقاء الصراع.

 

وفي ظل معطيات الأرض يعني ذلك تطويق للصراع لا حلّ جذوره، ومن ثم الشرعنة لسلطات الأمر الواقع، إلى جانب أن سياقات فرض الهدنة جاءت بمعزل عن إرادة أطراف الصراع المحلية، ومن ثم رغبتها بتحقيق السلام، إذ كانت نتيجة تحولات المواقف الدولية ومصالحها، بما في ذلك التحدّيات الاقتصادية للحرب الروسية - الأوكرانية التي دفعت القوى المتدخلة إلى تفضيل خيار الهدنة، ومن ثم إقناع وكلائها المحليين بذلك.

ومن ثم، لم تؤدّ الهدنة السابقة إلى وقف إطلاق النار، وإن خفضت التصعيد، وإذا كانت تحدّيات الحالة الإنسانية في اليمن هي التي أجبرت الفرقاء وحلفاءهم لقبول الهدنة، فإن إدارتهم هذا الملف أدّت إلى تسييسه، وكذلك مقايضته بامتيازات جديدة، ومن ثم فإن تمديد الهدنة شهرين إضافين قد لا يؤدّي، وفي مساراتها، إلى تحقيق السلام من خلال إنهاء حالة الصراع، بل قد يكون استمرارا للحرب بطرق أخرى، بما في ذلك الشرعنة لسلطات متعدّدة تقتسم النفوذ والسيطرة.

تدير الأمم المتحدة أزمات بلدان الحروب وفق سياسة القوى الدولية، ومن ثم ترتب صيغ الحل بما ينسجم مع هذه الأهداف. وإذ كانت إدارة المبعوثين الأمميين السابقين للملف اليمني قد ساهمت في تعقيده، من خلال الشرعنة لأطراف عسكرية متعدّدة، فإن المبعوث الأممي الحالي هانس غروندبرغ هو الذي جنى ثمار هذه السياسة، فالمسارات المتعددة للسلام تشكل استراتيجيته لوقف الحرب، والتي تفترض ضرورة دمج كل القوى التي صعّدتها الحرب في العملية السياسية من خلال احتوائها في السلطة أولاً، ثم المضي إلى التسوية. ويمثل المجلس الرئاسي تتويجا للسياسة الأممية، وذلك بتحويله طرفا في التسوية المقبلة، وإن ضمّ قوىً عسكريةً متصارعة، مقابل جماعة الحوثي. وإذا كانت الهدنة المنجز الذي يُحسب للمبعوث الأممي الحالي، فإن إدارته الشقّ العسكري تظل المعيار لقياس نجاح مهمته، وذلك بتثبيت وقف إطلاق النار، ومع وقف الحرب العابرة للحدود، بما في ذلك قصف طيران التحالف المدن اليمنية، فإن تزايد الخروق بين المتصارعين، وذلك نتيجة غياب آلية تراقب وقف إطلاق النار على الأرض، يقوّض أي أساس للسلام، وهو ما يعني تركيز المبعوث، ومن ثم القوى الدولية، على البعد الإقليمي للصراع، والدفع باتجاه تفاهماتٍ بين السعودية وجماعة الحوثي لتأمين الحدود، مقابل تجاهل وقف الصراع المحلي لدفع العملية السياسية.

من جهة ثالثة، راهن المبعوث الأممي على تنفيذ الإجراءات الإنسانية بوصفها ورقة ضمان وحيدة لدفع المتصارعين إلى الذهاب إلى المشاورات، فمع تجاهله دور أطراف الصراع في تدهور الأوضاع الإنسانية في اليمن، ومن ثم ضرورة معالجتها بشكل جذري، فإن سياسة الترضية التي تبنّاها المبعوث أدّت إلى إسقاط الملف الإنساني في دائرة التوظيف السياسي، وهو ما عقّد مهمته. ويمثل تعثر مشاورات عمّان في فتح معابر مدينة تعز دليلا على فشله في الضغط على جماعة الحوثي لفتح الطرق الرئيسية، إضافة إلى تعثر ملف إطلاق سراح السجناء والمعتقلين، ومن السياق الإنساني إلى الإقتصادي، حيث تدفع سياسة المبعوث إلى تعقيد الملف الاقتصادي، وذلك بتبنّي توحيد المؤسسات الاقتصادية والنقدية، من دون إيجاد معالجات دور المتصارعين وتحييده، وهو ما قد يفاقم معاناة اليمنيين. ومن ثم، فإن إدارة المبعوث للهدنة، وإن أفضت إلى إنتاج تسوية مشوهة، وفق تموضعات أطراف الصراع، ستبقي على حالة الصراع في الأرض، إضافة إلى تعقيد الملف الإنساني، مقابل حرص المتصارعين على إدارة الهدنة لصالحهم.

انسجاماً مع سياسة حليفه السعودي تجاه الصراع في اليمن، تبنّى المجلس الرئاسي خيار تمديد الهدنة، بحيث يفضي ضمن إجراءات أخرى إلى تسوية سياسية مع جماعة الحوثي تنهي الحرب. ولذلك بدا أن التمسّك بالهدنة، وإن افتقر لآلية تؤسّس لمسار تفاوضي، يجنّب المجلس مواجهة تحدّيات عديدة، فإضافة إلى أن الهدنة العسكرية أوقفت هجمات جماعة الحوثي العابرة للحدود باتجاه الأراضي السعودية، وهو ما يعني رضى حليف المجلس الرئاسي، فإنها أيضا أجلت خيار اشتباك القوات العسكرية التابعة له مع مقاتلي جماعة الحوثي في جبهاتٍ متعدّدة. ولذلك، فإن تمديد الهدنة شهرين آخرين وقت إضافي لتجنّب خسائر المواجهة المباشرة مع مقاتلي الجماعة، إلا أن استمرار خروق جماعة الحوثي قد يضاعف الضغط على المجلس الرئاسي، وذلك بانكشافه عسكريا، بوصفه سلطةً غير موحدة على صعيد القرار العسكري، بما في ذلك عدم توحيد الألوية العسكرية تحت مظلة سياسية واحدة، وهو ما قد يعرّضها لخسائر بشرية في مناطق المواجهات.

إلى جانب ذلك، منحت الهدنة، وفق تخفيض الصراع مع جماعة الحوثي، المجلس الرئاسي وقتا لترتيب سلطته، وذلك بإدارة التوازنات البينية للقوى المشكلة له. وكذلك معالجة أزماته الداخلية، بما في ذلك إدارة السلطات المحلية في المناطق المحرّرة، وكذلك القيام بجولات إقليمية لكسب الدعمين المالي والسياسي. ومن جهة أخرى، فرضت الهدنة على المجلس الرئاسي تقديم تنازلاتٍ لصالح جماعة الحوثي، وذلك تحت ضغط حليفه السعودي، فإضافة إلى قبول اشتراطات الجماعة في توجيه سياسة إعادة تشغيل مطار صنعاء، وتسيير الرحلات التجارية من صنعاء إلى عمّان والقاهرة، وهو يمثل اعترافا بها سلطة أمر واقع، فإن فشل وفد المجلس الرئاسي في فتح معابر مدينة تعز المحاصرة منذ سبع سنوات، مقابل الانسياق مع اشتراطات الجماعة، أفقده شعبيته في مدينةٍ تمثل ثقلا سياسيا في سلطة المجلس، كما كشف ذلك عجزه عن إدارة مفاوضات إنسانية، وإنْ جرى تسييسها، وذلك لتباين أولويات المجلس.

الطرف الذي يراكم سلطته بسبب ضعف خصمه يستطيع فرض شروطه، ومن ثم تصبح الهدنة فرصةً مثالية للحصول على مكاسب جديدة، إذ أدركت جماعة الحوثي أن إدارة المبعوث الأممي للهدنة، بما في ذلك إذعان المجلس الرئاسي لحليفه السعودي يمكّنها من انتزاع مكاسب جديدة فشلت في انتزاعها في جبهات الحرب، إذ إن عزل الصراع المحلي عن الإقليمي فرضها قوّة عسكرية تهدّد السعودية، ومن ثم تستطيع الضغط على السعودية للحصول على امتيازات جديدة مقابل تجنّب تهديدات صواريخها الباليستية وطائراتها المسيّرة. وأي تفاهمات مع السعودية لتأمين حدودها الجنوبية ستكون في سياق انتزاع مكاسب سياسية واقتصادية أخرى، كما أن عزل الصراع المحلي عن الإقليمي مكّن الجماعة من تعزيز قوتها في مناطق المواجهات وبناء تحصينات، بما في ذلك محاولة تغيير خطوط التماس، إلى جانب أن الهدنة العسكرية خفّفت الضغط على جماعة الحوثي عسكريا، وذلك بتقليص عدد المقاتلين، ومن ثم تخفيض نفقاتهم المالية، وإعادة توزيع المجنّدين الرسميين.

من جهة أخرى، منحت إدارة الجماعة الجوانب الإنسانية للهدنة مكاسب عديدة، سواء اعتراف خصومها بها سلطة أمر واقع، تشرف على مطار صنعاء، أو انتزاعها جزءا من المؤسسات السيادية، وذلك باعتراف المجلس الرئاسي بالجوازات الصادرة من صنعاء، إلى جانب العائدات المالية الضخمة من تشغيل مطار صنعاء، وكذلك عائدات سفن المشتقات النفطية في مدينة الحديدة، بحيث تضغط الجماعة لتحسين امتيازاتها الاقتصادية، وذلك بمطالبة التحالف والأمم المتحدة برحلاتٍ تعويضيةٍ يومية من مطار صنعاء، إضافة إلى مقايضة فتح الطرق الرئيسية في مدينة تعز بدفع رواتب موظفي الدولة في المناطق الخاضعة لها، مقابل احتكار إيرادات ميناء الحديدة لصالحها، إلى جانب ربط ملف فتح المعابر بالملف الاقتصادي، والمطالبة بإعادة البنك المركزي من عدن إلى صنعاء، ومن ثم إخضاعه لسلطتها.

ومن جهة أخرى، استمرار الهدنة يعني بقاء جماعة الحوثي سلطة أمر واقع تسيطر على المناطق الخاضعة لها، وكبح أي حراك اجتماعي، وذلك بتكريس سردية الحرب وظروفها، ومخاطر القوى المتربصة بالجماعة. ولذلك تتحرك في اتجاهين: الضغط على السعودية، ودفعها إلى تحسين امتيازاتها الاقتصادية شرطا لاستمرار الهدنة، وكذلك تعزيز تحصيناتها في مناطق المواجهات، ومن ثم فإن هدنةً بلا رقابة، وبلا تفكيك بنية الحرب ومؤسّساتها، واقتصادها، بما في ذلك إزالة أسباب الحرب، ومعالجة جذر الصراع هو في كل الحالات خيار مريح للمتحاربين، ومكاسب مجانية.

المصدر : العربي الجديد 

مقالات الكاتب